نسمات هواكَ

حتى نتنفس الصعداء!



أرأيت يا ديم لو استذكرت برهة ما أنت قبل الحياة؟ ومن أوجدك؟ وكيف أنت بَعدًا؟ ولمَ الناس أجناس؟
(( هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا، إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا،  إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا)) [1]
فبين خوف ورجاء كانت الحياة، وكانت الأيام تتوالى بين شاكر وكافر؛ بحسب كل إناء بما فيه ينضح، بين من أدرك الحقيقة باكرًا فأنبتته نباتا، ومتأخر فأصلح تربته فَرَبَتْ ، وبين مختلس نفسه يختبئ بالرزايا عاصبَ العينين راقمَ الأذنين، يلهثُ عطشانًا يمدُ يدَه للبحرِ ليبلغَ فاهُ وما هو ببالغِه؛ فأدركته الأيامُ لتستأصلَ ورمَهُ الخبيثَ فقضت عليه، لأن زارع الزهرة الندية في الحديقة الغناء –يا ديم-  لا يستطيب أبدا بما يعكر صفو حديقته إلا وهو نافثٌ خبَثَـهُ.

                وكل الجمال تراه بالحب يا ديم.. ذلك الشعور المتدفق، النابع من غليان القلب بالود تجاه محبه باطرادٍ..
لا تحسبنَّ الحب شيئا هينا .*. ليس في الحب قياسٌ يُطرد[2]
فتنعم به كالطيرِ المغردِ النشوان ، ترى كل ما في الوجود جميل لجمال حشاك، وكأنما الكون يبتسم لك بما فاض من وجدانك.
والسعادة كل السعادة تحتويك إذا ما أجبت داعيك المُعز، ولبَّيْتَ أمره وزجرت نهيه، فترفرفنَّ بجناحيك  مغردا كالقمير ، بعيدا بعيدا  حيث تنهمر الغيث، فإن سلمت له فيما يريد كفاك فيما تريد؛ والتعاسة كل التعاسة يا ديم إذا عدلت عن نهج داعيك المُذِل، فتنكسر جريح الجناح بين وحوش الغابات  ذاك لأنك لم تسلمه ما يريد فأتعبك فيما تريد ثم لم يكن إلا ما يريده باريك.
فـ((السعادة كل السعادة في طاعة الله))[3] ..ولكم قلت أنك تحب الله  ولم تصطلح في دربه بعد، ألم تعلم يا ديم أن الحب يُعمي ويُصِم وبذا فالمحب لحبيبه مطيع ،
وأعذب الحب أن يلقى حبيبك ما .*.  تلقاه منه وهذا الحب مقبولُ[4]
فحسبك من عطاياه وجودك من العدم، ناهيك عما رزقك من عقل فذ تميز الخير به من الشر فتسلكه، وعليه أعطاك نهجا ودستورا ، بل خريطة موحية بينة تبحر بها في حياتك حتى لا تخسر دنياك وتنجو في أخراك ؛ فترسو على الشط بأمان لتهنأ باصطلاحك.

                قد يعتريك يا ديم أطياف أناس تحبهم ولا يحبونك، تمنحهم ولا يجازوك، بل ويعكرون صفو حياتك، فحاسب نفسك قبل أن تحاسب، فما عاتب الحر الكريم كنفسه لعلك واقف على شفا حفرة من النار، والمرء يصلحه الجليس الصالح، فتنبه وراجع خريطتك الموحية ((فنسوا ما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة))!!
فأصلح ما بينك وبين الله أصلح الله ما بينك وبين الناس ، حتى لا تكاد تدري متخبطا لمَ الناس تحبك ، جعل الله لك لسان صدق عليًّا.
ثم إياك والغرور، فإنه مفسدة للعقل ولا تمنن فتستكثر فتتراجع القهقرى سهوا ، وتقف عند الإشارة الحمراء كارها الانطلاق والتقدم، محبا بما تُمدَدَحُ به سيّان صنعته أو لست بصانعه، ولكن اعلم أنك إذا نجحت في أمر فلازلت في البداية؛ وأنك كلما ارتقيتَ ازدادت ابتلاءاتك ، فلاتدري ولا تعي أين النهاية، إلا إذا وافتك المنية ، فكلٌّ يموت على ما اعتاد عليه ، حينها ستتضح حكايتك كيف أنت؟ وماذا كنت؟ فالمرء  - أُلهمتَ الرشد- يُعرف بقوله، ويوصف بفعله، إلا أنك في الحقيقة لن تتضح نهايتك حتى تُحشر وتكون بين يدي ربك، رزقك الله الفردوس الأعلى.

إنك يا ديم لو رأيت حبة الرمل وما كونها ، ونظرتَ إلى الجبال التي تكونت منها، ثم رفعت بصرك إلى السماء فهالك علوها ، فتفر ببصرك إلى الأرض لعلها تخفف هولك وإذ بدواب الأرض بها، وأينما مددت بصرك في سحيق الصحاري وجوف كهوف البراري، وفي أعماق البحار، أيا كان شكله وصغر حجمه ، فالنواة والالكترونات التي تجري، يراها الله حين يراك، فتعلم حينها أنك كون بما حواك من خلايا وأنسجة فأعضاء وأجهزة حتى كنتَ في جوفِ كونٍ هائلٍ الإبداعِ من المجراتِ والكواكبِ والأنوارِ التي حولك ، فاستيقظتَ من سباتِك وتيقّظّتْ سَكَناتُك، فأوقع في قلبك طرقةَ إدراكٍ أن لكل صنعة صانع، كما أن وراء كل مخلوق خالق، فعرفتَ الله معرفةً أدلت بك لتُريك أنك في عالم يُجبرك أن تعلم بأن كل بروتونٍ فيك متصلٌ باللهِ اتصالاً لا يسعُك أن تُفصله عنه ألبتة ، اتصالاً لو أحسست نفسك به وغرسته في داخلك وجاهدت نفسك لإصلاحه وتسويته لحققت به آمالك وصنعت بتلك أمنياتك، فيكون كلامك مخالفا لكلام غيرك بما فتحت لعقلك من حقائق بينة،  فلا تستهن بذاك يا ديم، وإلا فاعلم أنها ستحول بك إلى التيه بين الدهاليز بالعثرات  كمومياء مجنونة[5]، كيف لا وآيات الله حولك، وعقلك يراها وتأباها نفسك، فتحجبه عن النور وتبقيه حبيس الظلمة في الكهوف!!
وإن لهتك أعمالك بتقنيات عصرك، ولم تستشعر الطبيعة فاستذكر قوله تعالى : ((وعلم الإنسان ما لم يعلم))، فعلم نفسك كيف تتعلم، فليست كل العلوم نافعة فمنها الشراذم الدنيئة التي تعين إلى حجب نور العقول وتحجير القلوب، فتدبر القرآن وتدارسه ، واربطه تشعبيا بحياتك، فالدين الحياة ، والحياة هي الدين ، كلاهما ذات وصفة لا تنفكان عن بعضيهما، فاشدد يدًا وشمر ساعدك واملك زمام نفسك تكن قويا بتأديبها وتحسين سلوكها على النهج الذي تبتغيه فلا تغريك ولا تعدلك.
ومن ثمَّ تنفس الصعداء وقل الحمدلله الذي تتم به الصالحات ((ولئن شكرتم لأزيدنكم))، ولتحيى حياة أحلى مع الله تحيى،  فليكن الله حبيبك وكامن همك وملأ حشاك ، فأنت بسلطان القدير قدير، وبدونه شيطان رجيم.


[1] سورة الإنسان، الآيات 1،2،3
[2] أبو مسلم الرواحي البهلاني
[3] حديث شريف
[4] أبو مسلم البهلاني
[5] يقول نور الدين السالمي  رحمه الله : ويستحيل عقلا ألا يدرك العقل إثبات وجود الخالق، وكل من لم يهده عقله إلى وجود الخالق فهو مجنون.