نسمات هواكَ

وزدناهم هُدى ٩

 
 
وتحدثت صديقةٌ عن الصمت عن الإسراف الذي حاكيتها به في الصمت الثاني، والإسراف نفسه يعود تارات بحلل مبثوثة، فهاك ارتداء لحلة معنوية لا تكاد تبين من شدة فيضها وتتابعها بين الأرتال والعشواء..
صففها .. رتبها.. أسردها أمامك واكتبها أو اذكرها في نفسك: ماهي هذه المشاعر التي تخالجك؟
عندما تتحرك النفس البشرية بمشاعرها الحسنة والخبيثة، ينفث جهاز السمبثاوي وجاره الباراسمبثاوي الهرمون المناسب للحالة.
ويعمل ذلك الهرمون على حدوث تغييرات جذرية تفصيلية دقيقة في الجسم، بداية من تقطب الجبين، انتهاءً إلى حركة مشتعلة في دخول ذرات الاكسجين إلى القلب.
وتكرار أي عملية مجهدة في الجسم ينهك أجهزته ويهشم قوته، فكم من حالة شعورية كانت نهايتها الموت وكم من أخرى كانت نهايتها الحياة!
أقول إن الإسراف ليس في المادة فحسب، وقد ذكرت آنفا أنه قد يكون في الكلام على صورة "اللغو"، وهنا أنبه أن لمن المشاعر ما هي مشاعر مترفة، لا حاجة لوجودها، ولعلي لست أبالغ إذا قلتُ أنها جانب مكمل لصورة الإسراف الممقوت.
فعلام أصب جم نيراني، وأغرق من لا يستحق وما لا يستحق تلكم المشاعر الفياضة، وكل شيء خلقه الله بقدر معين، لا كل القدر، فالفرح الكثير مشؤوم، كما أن الحزن الشديد مشؤوم.
 
(لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) *
 
إن المسلم متزن بطبيعته، والوسطية دأبه، فلا ترف ولا إدقاع، فيحلق بنا المختار عاليًا وهو يدعونا لتغيير الوضع عند الغضب الشديد، وأقول هو التغيير نفسه استعمله أيضًا عند الفرح أو الحزن الشديدين، فيقذف قرائحنا في عمق الآية ونعي ما يريده الله:
(وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ) *
يريد منا أن نفهم القصة بمجملها، فلعل الغضب انفعال شعوري، وضيق الصدر انفعال شعوري، أما الأول فما كان انفعال لغير الله فهو اسراف، وأما الثاني فيكملها في صورة رتيبة محكمة : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) *

أجل: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ۚ
عليكم بالمهمة، ولا تعبؤوا بما سيصيبكم، عليكم أن تقولوا الحق ولو كان مرًا، وعلى مشاعركم أن تكون جلدة قوية، فلا يضركم من ضل.
فأن يضيق صدرك أمر حاصل، وأن تصبر نفسك وتتجلد أمر يجب أن يحصل، هذه المشاعر الانفعالية فالصبر شعور متجلد منفعل عما حصل وهو شعور معقول، ولكن أن تنفعل المشاعر في الضيق، وأن تشعور بالحرج والضرر فيجب ألا يطول مداه، ولذلك غير من شعورك الانفعالي بسرعة :
(فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ)*
 
حينها تبقى المشاعر في اتزان، ويبقى القلب ثابتًا عند خير مودع، ثم تزداد بذلك إيمانًا وهدى، وهي نتيجة حاصلة حينما ختم الله الآيات :
(وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) *
إذن الاسترسال في وذر المشاعر تنفعل دون الوصول إلى نهاية مطمئنة كغضب للنفس لا لله، أو وذرها تنفعل في سخف وتفاهة كمشاكل اجتماعية زائفة لا مرد لها ولا مرجع إلا فتور في اللغو والظنون وغيرها، هو في مجموعه إسراف وإهدار للقوى الشعورية التي بوحدتها تُطلق في الإخلاص ويصل بها المسلم إلى الخلاص!
وبهذا فالتركيز في سير المشاعر خير من بثها ونفثها، فهي ليست رخيصة أبدًا، هي طاقة وقوة للفكر والروح والجسد !
 

 
فاجعلنا يا الله ممن زدتهم هدى!
 
 
 
 
 
________________________
(*)
[سورة الحديد : 23]
[سورة الحجر : 97]
[سورة المائدة : 105]
[سورة الحجر : 98 - 99]