نسمات هواكَ

وتحدثتْ صديقةٌ عن الصمتِ -2-


     
ولا زال حديثها يتراﺀى.. حينما قرأتُ "والله لا يحب المسرفين", فما هو الإسراف? هل هو فقط في المال?
الإسراف هو مجاوزة الحد , كما في مادة "سَرَفَ" , و أرى أن الكلام يندرج ضمن ما يمكن الإسراف فيه, فالإنسان الذي يكثر الكلام في خروجٍ عن الحد يسمى ثرثارًا فهو مسرف في الكلام, وجاﺀ في الحديث: "أبغضكم عندي الثرثارون المتفيهقون", وما أعظم حينما قرن الكلام بالإيمان بالله فقال صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت" ..!
ثم نتذكر قوله تعالى: "...إنه لا يحب المسرفين"!
يا للهول!
أبهذا القدر الأمر جلل خطير!
ولكن ما الفائدة?
ما الذي سيضيفه الصمت لنا? أو ما الذي يدفعنا للصمت والسكوت!

يقولون: [الفرق بين النطق والسكوت مثل ما بين الضفدع والحوت]

الحق أنني أُعرِّف الصمت والكلام بفلسفتي الخاصة على أن ::
التحدث هو خروجٌ من العالم الداخلي إلى العالم المحيط الخارجي , متعرفا عليه وفاهما حكاياته بتشدق الكلام,  وما التكلم إلا وسيلة للاتصال الخارجي , كعمل الهاتف , ولكن الهاتف بقيمة مدفوعة متصلا بالقمر الصناعي, والتحدث باللسان متصلا بالهواﺀ , يعمل بلا مقابل ماليّ بل بحساب إلهي, قد يدخلك الله به الجنة وقد يعذبك في الجحيم أعاذك الله!
عوّد لسانك قول الخير تحظى به
إن اللسانَ لما عودت معتادُ
أما الصمت: فهو نقيض التحدث وهو رضوخ إلى العالم الداخلي النفسي , وتسكع بين حناياها, فيفهمها وتفهمه ويتعرف عليها, فيطورها ناقلا إياها من الحضيض إلى الرقي الذي يراه حسب فِكرِه, فإن كانت عقيدته نقية ,  عرف نفسه فعرف ربه , ثم يستيقن ويقوى إيمانه , ويبدع في عمله!

وما علاقة الابداع بالثرثرة والصمت?
تخيل معي أنك شحنت نفسك بحماس رائد للعمل والتقدم وكأنما تكون بالونًا منفوخا, ولكنك لم تشرع في العمل بعد,  فأصبحت تنادي بما في كينونتك وكأنك تُسَرِّب الهواﺀَ الذي في البالون لتشجع الاخرين ,فتسربه وتنفخ فيه في الوقت آنِه , فلمَ التعنت وهذا التعذيب لنفسك?
اعمل بهدوﺀ وبصمت اليوم, وسيرى الآخرون حماسك وما تريد إخبارهم به, وأنت لا زلت بقواك العملاقة , وقد قال صلى الله عليه وسلم "أسروا حوائجكم بالكتمان" , فتكون حينها كالعدسة التي يُقال في شرط حرقها للورقة السوداﺀ ( تركيزها المتأني والصامت),
فتنجح و "قد أفلح المؤمنون" !