نسمات هواكَ

مذكرات جامعية 21: فسحة أستاذ!

ولأنَّ العبرة دائمًا بعموم اللفظِ لا بخصوصِ السبب، كانت هذه المذكرات..!

ضجة لأصوات متزاحمة تطالب بأوراق امتحان المنتصف!
الأستاذ: قد وُزعت!
-لا ..
- بلى (ثم يلتفت نحوي) مُزنة! لقد عاتبت كثيرًا على ورقتك!
قلتُ: لا لم يحصل هذا!
- لكنني أتذكر أنني ناقشتك، وكنت متعجبًا جدًا..!
(ثم قال) ألم يكن بلاءك سيئا؟
-نعم.. سيئًا!

فَـيقف الأستاذ كعادته، وهو يقرأ الأوراق اسمًا اسمًا وقد قرنَها بدرجاتِها التحصيلية لامتحان المنتصف، علنًا؛ وهي حركة تدريبية -كما يصفها- بإتيان الكتب على أرض المحشر، ذلك اليوم العظيم المهيب، فيا الله اليمين .. اليمين!
أقول أنه وقف اليوم .. وكنتُ قد أبدعتُ شرّ إبداع فيه، حتى أنني قد بِعتُ كلَّ مشاعر الوجود، وانفصلتُ إلى غيره من العوالم كَيما يتسللني أي إحساس مُحبِط!

فـ لماذا يا ترى يرفض الطلبةُ إعلانَ درجاتهم أمام الملأ، لا سيَّما إذا كانت الدرجات سيئة؟
إنهم يرفضونها رفضًا عجيبا، كما لو أنهم يفضلون الموت عنه.

ياله من موقف صعب، لم أتصوّر أبدًا شكل الدرجة المرسومة على الورقة، وها هو الأستاذ يعلن اسمي، فيا ليتني مِتُّ قبل هذا وكنتُ نسيًا منسيًا!
.
.

"""أيسعني الندم الآن؟
ولأجيب على هذا التساؤل، علي أن أتذكر : هل اجتهدت في مذاكرتي الدروس أم لا!
إذن لا يسعني الندم ولا التأسف .. فالحمد لله يا الله!
إذن ما الخطب؟
هنالك حكمة..!"""
.
.
.

ثم يقول مخاطبًا الجميع:
هذه أعجبُ ورقة رأيتها، بل وقد كتبت عليها:
"غريب..."!
وبالفعل؛ الأمر غريب فهذا السؤال الذي لم أكتب إجابته، يمكنك إدراجه تحت قائمة الأسئلة التي من النوع (1+1=2)، فلمَ لم تكتب مزنة إجابته كاملة؟

لم يكتفِ الأستاذ بهذا الإعلان، فهاهو يُعرض ورقتي الجميلة، ويريهم فراغ الجواب، ويقرأ تعليقي الذي كتيته مكان الإجابة: (إنا لله وإنا إليه راجعون)!
ثم تنتهي دقائق العرض وقد ضجت القاعة بين الضاحك والملجم بالسكوت، ويسدل ورقتي على الطاولة ويمضي ليقرأ الدرجة التالية لطالبة الأخرى..
وما كاد يسدلها حتى رفعها ثانية وقال: صحيح، درجتها 24..!
ويمضى حقبًا !

كنتُ أحاول أن أنفصل عن الوجود، ولكنه تركني أواجه الواقع، وقد قلب فيّ المشاعر، أيما مشاعر لم تواتيني من قبل، مشاعرٌ لألوان الطيف تارة، وبأشكال الشتاء القارس، أو الحر المصيف في صحراء ربع الخالي..
مشاعر تتقلب في داخلي؛ حتى اختفت ملامحي من شدة ما أنا عليه من صدمات!

ينصرف الأستاذ تاركًا لمساته المتميزة دائمًا في القاعة، لمسة قد اختلطت بين الهيبة والفكاهة، انصرف وهو يقول بصوت عالٍ:
"الامتحانُ لبس تحصيلُ الذكاء، فلربما يصيب الإنسان مصابًا يثنيه عن الحل الصحيح!"
كانت كلمات قد ردّت إليّ شيئًا من روحي، وشربتها بردًا كالظمآن في الحر الشديد!
.•°

أقول : لا أذكر أي الموقفين يسبق الآخر!
هاهو الأستاذ يسألني عن كتابٍ ما، وهي عادته في طرحه للأسئلة العجيبة على الطالبات، بل على طالبة يحددها بشكل مباشر، أسئلة نعتبرها من الطراز الثقيل المخرج، كأن يسألها -مثلاً- عن قراءتها لكتاب كان ينبغي عليها قراءته في عمرها العاشر وهب لم تقرأه بعد، أو كتب عظيمة كبيرة لم تتخيل نفسك أنك ستقرأها يومًا، أو كتباً نادرة لم تسمع بها قط!

إنه يناقش الطالبة النجيبة التي لطالما تخيلت نفسها قد حصلت على الدكتوراه في العقيدة، يناقشها عن مصطلح أصوليّ، في كتاب من الكتب.. وفجأة يلف حواره إليّ ويسألني عن المصطلح!
فرددته بأن ذاكرتي لا تسعفني!
قال: لكنك قرأتِ هذا الكتاب؟
قلت بلى!
قال: نعم .. أنا أعرف من أسأل، أعرف الذي يقرأ والذي لا يقرأ شيئًا!
ارتسمت في رأسي كل خطوط ماروكو، على أمل أن أفهم، "وكيف يعرف؟"

.•°

لا بأس، نكمل ما كنت أحكيه عن ورقة الاختبار اللذيذة، انصرف الأستاذ، ثم وُزِّعت الأوراق بيننا، ورقتي وكنتُ حينها قد تحولتُ إلى ما يشابه "البطاطا المشوية"، نظرت إلى الورقة في عجب، ولم أطوِها، ولم أخبئ درجتي ولا ما كتبه الأستاذ من تعليقات..
تركتها مكشوفة!

ثم ترى الفتيات يمررن بجانبي ليخرجن من القاعة وهن يسرقن النظر إليها على أمل أن يقرأن كيف كتبتُ وكيف كتب، فمددت يدي لهن بها .. !
لكن سرعان ما غضبت "أصيلة" وسحبتها ، وطوتها!
لقد شعرَت أن أمرًا جنونيًّا ينتاب في داخلي!
طبعًا .. كنتُ اللاشعور، ولكن كنتُ أحاول حل المسألة المعقدة!

أكثر ما كان يدهشني في الأمر، هو أن هذا الأستاذ هو الأول من نوعه الأكاديمي الذي يتفاعل مع طلابه في درجاتهم وأمر تحصيلهم، ويعالج الضعف التثقيفي الذي ينتابهم في مخرجاتهم الدراسية في مجمل مواقفه وأساليبه.

هذا المعلم الأعجوبة، الذي صرخت يومًا وقلتُ لزميلاتي: إذا جعلني الله مُعيدة، سأكون "هو" رقم 2!
ليس لشيء إلا لأنه كائن يشعر بالآخرين شعور راع مسؤول عن رعية، وحذِق يحب الإتقان والاحترافية، إنه لا يدعهم يعمهون في واديهم دون إرشاد، ولا يرى عقدة قد حلت بهم حتى فكّها!

إنني أتذكر ذلك الأسلوب العجيب الذي اتخذه مع طلابه؛ حيث اختار كتابًا من أمهات الكتب القديمة جدًا، وجعل قراءته دورية، كل فقرة من نصيب إحداهن، شريطة تشكيل الكلمات والصوت العالي، وبعد غضون أسبوع من العجب العجاب ، ومن علامات الاستفهام لهذه الاستراتيجية في التدريس الأكاديمي، لمادة هي في علم الحديث، يقول لنا أنه يريد بها حلاًّ لمشكلة فوجئ بها فأراد أن يعلمنا أمورًا بمادته..
إذن نحن بهذه الطريقة نتدراس مادته، ونعالج قضية اجتماعية، ونتعلم فنّ الكتب الأمهات التي كنا لا نتحمل قراءة نصوصها الصعبة وغير المفهومة في السرد!

إني أكنُّ لهذا الأستاذ كلّ التقدير والاحترام، لرسالته في حياته، فـبارك الله في مسعاه!

إنّ بين الطالب والمعلم (فسحة) من العلاقة المعرفية التي لابد أن تملأ بشيء من وصف المهتم بتلميذه، وبقدرات تلميذه، وهذا الوصف الذي تخلقه المواقف وردات فعل المعلم تجاهه، ومهما كانت مواقف دسمة صعبة، إلا أنها في النهاية تُشعر الطالب أن فسحته امتلأت بهذا الوصف، فتدفعه ليتقدم أكثر.

والعجيب الذي لم أفهمه حتى الآن: هل الأساتذة الأكاديميون ليسوا مربين؟
وإذا لم يكونوا كذلك؛ فلماذا ندعوهم بالمعلمين؟
وهل (التربية) المعرفية أو السلوكية، مقتصرة في عالم المدرسة لكونها مندرجة تحت (التربية والتعليم)؟

لستُ أدري، أليست الحياة بطبيعتها هي "تعايش"، والإنسان بطبعه "مدني" ؟